أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

101

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الثاني : أن يكون نسقا على « كَهْلًا » الذي هو حال من الضمير المستتر في « وَيُكَلِّمُ » أي : يكلّم الناس طفلا وكهلا ومرسلا إلى بني إسرائيل ، جوّز ذلك ابن عطية . واستبعده الشيخ « 1 » لطول الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه . قلت : ويظهر أن ذلك لا يجوز من حيث المعنى ، إذ يصير التقدير : يكلّم الناس في حال كونه رسولا إليهم ، وهو إنما صار رسولا بعد ذلك بأزمنة ، فإن قيل : هي حال مقدّرة كقولهم : « مررت برجل معه صقر صائدا به غدا » وقوله : فَادْخُلُوها خالِدِينَ « 2 » ، قيل : الأصل في الحال أن تكون مقارنة ، ولا تكون مقدرة إلا حيث لا لبس . الثالث : أن يكون منصوبا بفعل مضمر لائق بالمعنى ، تقديره : ونجعله رسولا ، لمّا رأوه لا يصحّ عطفه على مفاعيل التعليم أضمروا له عاملا يناسبه ، وهذا كما قالوا في قوله تعالى : وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ « 3 » وقوله : 1299 - يا ليت زوجك قد غدا * متقلّدا سيفا ورمحا « 4 » وقول الآخر : 1300 - علفتها تبنا وماء باردا * . . . « 5 » وقوله : 1301 - . . . * وزجّجن الحواجب والعيونا « 6 » أي : واعتقدوا الإيمان ، ومعتقلا « 7 » رمحا ، وسقيتها ماء باردا ، وكحّلن العيون ، وهذا على أحد التأويلين في هذه الأمثلة « 8 » . الرابع : أن يكون منصوبا بإضمار فعل من لفظ « رسول » ، ويكون ذلك الفعل معمولا لقول مضمر أيضا هو من قول عيسى .

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 464 . ( 2 ) سورة الزمر ، آية ( 73 ) . ( 3 ) سورة الحشر ، آية ( 9 ) . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) عجز بيت للراعي النميري ، انظر الصناعتين ( 136 ) ، مشكل ابن قتيبة ( 213 ) ، المغني 2 / 357 ، الشذور ( 300 ) ، أساس البلاغة 1 / 394 ، معاني الفراء 3 / 123 ، التصريح 1 / 346 ، الخصائص 2 / 432 ، أوضح المسالك 1 / 299 ، رقم 259 ، الأشموني رقم ( 442 ) . وصدر البيت : إذا ما الغانيات برزن يوما * . . . وهذا البيت من قصيدة مطلعها : أبت آيات حبّي أن تبينا * لنا خبرا ، وأبكين الحزينا وقوله : « الغانيات » جمع غانية وهي المرأة التي استغنت بجمالها عن الزينة ويقال : هي التي استغنت بيت أبيها عن أن تزف إلى الرجال ، ويقال : هي التي استغنت بزوجها عن التطلع إلى الرجال . ( برزن : أي ظهرن ) زججن : رققن ودققن الشاهد فيه قوله : « والعيونا » فإن هذه الكلمة لا تصلح أن تكون معطوفة على ما قبلها عطف مفرد على مفرد لانتفاء اشتراك المعطوف وهو العيون مع المعطوف عليه وهو الحواجب في العامل وهو زججن ، ولا يصلح « العيون أن يكون مفعولا معه لأن الاخبار بالمعية ههنا لا يفيد شيئا وإنما المتعين فيه أحد أمرين أحدهما وهو ما أشار إليه المصنف أن تكون مفعولا به لفعل محذوف . الثاني أن تضمن العامل وهو زججن معنى فعل آخر يصلح تسليطه عليهما مثل جملن وحسن ونحوهما ، وحينئذ يكون الثاني معطوفا على الأول عطف مفرد على مفرد . ( 7 ) اعتقل الرمح : إذا وضعه بين ساقيه وركابه . ( 8 ) انظر تعليقنا على البيت السابق .